الجمعة، 29 سبتمبر 2017

الجزء الرابع



أنا آسف ..

فاسكتته باشارة من يدها وقالت :

- لم أقل هذا لاستدر عطفك وشفقتك ، وانما قلته توضيحا لموقف يتعذر توضيحه بغير ذلك ،

هناك ظروف تحتم على الانسان ان يتخذ قرارا ما كان ليتخذه لو ان امامه فسحة من العمر ..

- مثل؟

فأجابت العجوز :

- سأقول لك شيئا عن ابني يا مستر ستارك ، اني كنت احبه من كل قلبي .. كان في طفولته

ويفاعه يتميز بكثير من الصفات الرائعه ، كان ناجحا وذككيا وشجاعا ، ومرحا .. وانما هذه

الصفات الطيبة ، كان يقابلها بعض العيوب ، كالقسوة والبجاحة والتمرد على القيود ، بيد ان

محاسنه كانت ارجح من سيئاته ..



الا انه بفطرته ، ونشأته وتكوينه لم يكن الانسان الذي يستطيع الصمود للنكبات ..

ولقد راقبته عن كثب في السنوات الاخيرة ولاخظت انه ينحدر يوما بعد يوم نحو القاع ..

وصمتت قليلا ..

ثم قالت :

- اذا قلت انه اصبح وحشا .. فقد تظن اني ابالغ .. والواقع انه كان في بعض النواحي وحشا بكل

مافي هذه الكلمة من معنى ، كان وحشا في قسوته ، وفي كبريائه ، وفي انانيته .. ولانه اوذى في

صحته وجسده .. فقد تملكته رغبة شيطانية في ايذاء الاخرين ، وهكذا بدأ الاخرون يعانون

ويتعذبون بسببه .. هل فهمتني ؟

فأجاب ستارك :

- اظن اني فهمت

- والآن .. أريد أن تعلم اني لا اكن للورا سوى الحب والتقدير ، انها تمتاز بالذكاء والشجاعة،

ودماثة الخلق ..

وقدرتها على الاحتمال لا حدود لها .. وانا لست على يقين من انها احبت ريتشارد حين تزوجته ،

او بعد ان تزوجته ، ولكني اؤكد لك انها فعلت اقصى ما تستطيع زوجة ان تفعله لتخفيف آلام

زوجها ، ولكي تجعل من مرضه وعجزه شيئا محتملا ..

غير انه كان يضيق بها ويرفض معونتها وكان يخيل الي احيانا انه يكرهها وذلك رد فعل طبيعي

اكثر مما نتصور ..

ولهذا اعتقد انك ستفهم ما اعني حين اقول لك ان ما كان لابد منه قد حدث.. فقد وقعت لورا في

حب رجل آخر ، وبادلها الرجل حبا بحب ..

فسألها ستارك :

- ولكن لماذا تقولين لي كل ذلك ؟

فأجابت بحزم :

- لانك غريب عنا .. وحوادث الحب والكراهية في هذا البيت لا تعني شيئا بالنسبة لك .. وفي

مقدورك ان تسمعها دون ان تتأثر بها ..

فتنهد وتمتم بصوت خافت :

- ربما ..

ومضت العجوز في حديثها ، وقالت :

- وهكذا جاء وقت بدا فيه ان شيئا واحد فقط يمكن ان يحل جميع المشكلات وهو موت ريتشارد

..

فقال ستارك مستفهما :

- ولهذا مات ريتشارد ؟

فردت العجوز :

- نعم ..

وساد صمت قصير . .

ثم نهض ستارك فاطفأ سيجارته وقال في هدوء :

- معذرة عن صراحتي يا مسز واريك ، ولكن هل هذا اعتراف منك بارتكاب الجريمة ؟

فقالت بحدة :

- سألقي عليك سؤالا . هل تعتقد ان من يمنح الحياة له الحق في ان يقتلها؟

ففكر في ذلك واجاب :

- لقد سمعنا عن امهات قتلن اولادهن ، ولكن بدافع الانانية في ابشع صورها ، كالحصور على

مبلغ التأمين او التخفيف من اعباء الامومة ، هل موت ريتشارد يفيدك ماليا؟

فردت العجوز :

- كلا ..



- معذرة عن صراحتي ..

- هل فهمت ما اريد قوله ؟

- أظن اني فهمت ، تريدين ان تقولي ان الأم يمكن ان تقتل ابنها ، وانه من الممكن ان تكوني قد

قتلت ابنك ، ولكن هل هذا مجرد نظرية ام حقيقة ؟

- اني لا اعترف بشيء ، ولكني فقط اطرح امامك وجهة نظر ، وقد تطرأ ظروف حين لا اكون

على قيد الحياة لاحسمها ولذا اريدك ان تأخذ هذا ..

واخرجن من جيبها مظروفا قدمته اليه ، فقال :

- كل هذا حسن ،ولكني لن اكون هنا ، اني سأعود الى ( عبدان ) لمباشرة عملي ..

- ان عبدان ليست في عزلة عن العالم ولا بمنأى عن المدينة لا بد ان بها صحفا واذاعة..

- نعم ، نعم .. كل هذا موجود فيها ..

فتمتمت العجوز :

- احتفظ اذن بهذا المظروف ، هل قرأت العنوان ؟

فنظر الى المظروف وقرأ العنوان : ( إلى مدير الشرطة ) ..

ثم قال :

- الحق انك بارعة كل البراعة في كتمان اسرارك ، فانا لا اعرف بوضوح ماذا في ذهنك ، او

ماذا يدور بخلدك ، هناك أمران لا ثالث لهما ، إما أنك ارتكبت الجريمة بنفسك ، واما انك تعرفين

من ارتكبها ، فهل انا على صواب؟

- لا اريد مناقشة هذا الموضوع ..

- ولكني اشعر بفضول شديد الى معرفة ما يدور بخلدك ..

- يؤسفني اني لا استطيع ان اشبع فضولك ، اني كما قلت امرأة تعرف كيف تكتم اسرارها جيدا ..

فحاول ستارك الوصول الى هدقه من زاوية اخرى قال :

- هذا الرجل الذي كان يقوم على خدمة ابنك ..

- تعني انجل؟

- نعم ،، هل تحبينه ؟

- كلا .. ولكنه كفء في عمله .. ولم يكن ريتشارد مريضا سهل القياد ..

- ألم يكن انجل يضيق به ؟

- ولماذا؟ لقد كان ريتشارد يكافئه بسخاء..

- هل كان ابنك يعرف عن ماضي انجل ما يشينه ؟

- تعني شيئا كان يمكن ان يهدده به ؟

- نعم

- لا اظن

- كنت اتسائل عما اذا كان انجل ؟

- اذا كان هو الذي قتل ابني؟ اني ارتاب في هذا ، اني ارتاب في هذا كثيرا ..

فتنهد ستارك وقال :

- ارى انك لم تقعي في الفخ ، وهذا يبعث على الاسف ، ولكن ما باليد حيلة ..

فنهضت العجوز وهي تقول :

- شكرا على انك افسحت لي صدرك يا سيدي ..

وانبعثت واقفة .. ومدت يدها ..

واستغرب ستراك حين رآها تنهي الحديث فجأة ، غير انه تناول يدها وشد عليها بقوة ..

ومشت الى الباب ..

فتبعها ، واغلق الباب بعد انصرافها . ..

ثم هز رأسه وتمتم قائلا :

- يا لها من امرأة



ونظر الى المظروف وقرأ عنوانه مرة أخرى ... ( إلى مدير البوليس ) ..

وارسل بصره عبر باب الحديقة ، وتساءل

" ترى ماذا كتبت العجوز في رسالتها الى مدير البوليس واي شخص اتهمت بقتل ابنها ؟ "

وانه يفكر في هذا ويضرب اخماسا لاسداس ، اذا بباب الغرفة يفتح وتدخل مس بنيت ...

كانت دلائل القلق والانزعاج تبدو على محياها ..

ابتدرته بقولها :

- ماذا قالت لك ؟

فبهت ستارك وهتف :

- من تعنين؟

- مسز واريك ، ماذا اخبرتك ؟

- اراك منزعجة ، لماذا؟

- لاني اعرف ماذا يمكنها ان تفعل

- ماذا يمكنها؟ ان ترتكب جريمة قتل؟

- هل هذا ما اردت ان تقنعك به ؟ هذا ليس صحيحا ، يجب ان تدرك انه ليس صحيحا ..

- انه جائز

- اؤكد لك انه ليس صحيحا

- لماذا ؟

فقالت وهي تتهالك على احد المقاعد :

- لاني اعلم .. هل تظن ان هناك شيئا لا اعلمه عن هؤلاء الناس؟ اني اعمل معهم منذ سنوات

عديدة ، ويهمني امرهم جميعا ..

- بما فيهم ريتشارد واريك !

- اني كنت احبه في وقت ما ..

وصمتت ..

فقال وهو يتفرس فيها :

- امضي في حديثك ..

فردت مس بنيت :

- كلنه تغير ، تغيرت عقليته ، واختل تفكيره ، فكان في بعض الاحيان شيطانا مريدا ..

- الجميع متفقون في هذا ..

- ليتك عرفته كما كان قبلا ..

فقال ستارك :

- انا لا اصدق ذلك .. فالناس لا يتحولون الى النقيض على هذا النحو ..

فأجابت مس بنيت :

- انه تحول الى النقيض

فصاح ستارك وهو يذرع ارض الغرفة :

- كلا .. كلا .. انه لم يتحول ، انك لم تفهمي الامر على حقيقته ، الحقيقة انه كان في قرارة نفسه

دائما شيطانا ..

انه احد اولئك الناس الذين لا يظهر معدنهم الحقيقي الا حينما يتخلى الحظ عنهم . . فهو سعيد

ومعقول طالما هو ناجح وفي مقدوره ان يصل الى ما يريد ..

فاذا قلب له الدهر ظهر المجن ،، يسطر عليه الشر وطغت القسوة التي كانت ترسب في اعماقه ..

كانت القسوة دائما هناك .. واراهن انه كان فظا وهو طالب في المدرسة ..

احبته النساء ، لان النساء دائما يحببن الاجلاف ..

واحب هو الصيد والقنص لانه وجد فيها متنفسا لقسوته ولعه بتعذيب الآخرين ..



تلك هي انطباعاتي عنه ، على ضوء ما قاله الآخرون ..

ولعله استطاع ان يظهر امام الناس في صورة الرجل الكريم الناجح المهذب ..

ولكن الضعة والقسوة والنذالة كانت هناك دائما ..

وكل ما حدث عندما اصيب هو ان الواجهو الجميلة البراقة تحطمت وانهارت فظهر هو على

حقيقته ..

فقالت مس بنيت وهي تنهض :

- لا اعلم بأي حق تتكلم هكذا .. انك غريب عن هذا البيت ولا تعرف شيئا عنه ..

فأجاب ستارك :

- بل أعرف عنه الكثير ، لاني سمعت الكثير ، كل واحد هنا كان يريد التحدث الي لسبب او لآخر

.

- هذا صحيح ، وهأنذا اتحدث اليك ، هل تعرف لماذا؟ لان احدا منا لا يجرؤ على التحدث الى

الآخرين .. ثم نظرت اليه متوسلة وقالت :

- كم اتمنى ألا ترحل ..

فقال بتؤدة :

- الواقع اني لم افعل شيئا ذا اهمية .. كل ما فعلته هو اني دخلت هذا البيت بغير استئذان ..

واكتشفت وجود جثة رجل مقتول ..

- أنا ولورا اكتشفنا الجثة ..

وتمهلت قليلا ..

ثم قالت مستدركة :

- بل أظن ان لورا وحدها التي اكتشفتها

فنظر اليها وابتسم وقال :

- انت امرأة ذكية يا مس بنيت .

- انك تصديت لمساعدتها ، اليس كذلك ؟

- انت تتوهمين اشياء لم تحصل ..

- كلا .. الواقع اني لا اريد للورا سوى السعادة .. اريدها ات تكون سعيدة جدا ..

فتحول اليها وقال بحدة :

- انا ايضا اريد لها السعادة ..

- في هذه الحالة ..

ولم تتم عبارتها ..

فقد سمعا وقع اقدام في الشرفة ..

وشاهدا جان يعبث بمسدس ، فافلتت من فم مس بنيت آهه ذعر ، ولكن ستارك رفع اصبعه الى

فمه محذرا ..

وهمس قائلا :

- صه ..

ثم اقترب من جان وسأله :

- ماذا تفعل يا جان ؟

ولم تطق مس بنيت صبرا ..

واسرعت الى الشاب وهي تصيح :

- اعطني هذا المسدس يا جان .

ومدت يدها لتتناول المسدس ، ولكن الشاب قهقه ضاحكا وانطلق يعدو في الحديقة وهو يصيح :

- تعالي خذيه ان استطعتي ..

فانطلقت في اثره وهي تصرخ :

- جان . جان ...



ووقف ستاارك يراقبهما من بعيد ..

وهم بالخروج الى الشرفة ولكنه سمع صوت باب الغرفة يفتح ، فاستدار فرأى لورا ..

نظرت لورا حولها وسألت :

- أين المفتش اذن؟

فأشار ستارك باصبعه نحو الطابق الاول ، فقالت :

- اريد التكلم اليك يا مايكل ، ان جوليان لم يقتل ريتشارد ..

فقال ببرود :

- احقا ؟ هل لك ذلك ؟

- الا تصدقني؟ هذه هي الحقيقة ..

- لعلك تريدين ان تقولي ان هذا ما تعتقدين انه الحقيقة ..

- انا اعلم انها الحقيقة ، انه كان يظن اني قتلت ريتشارد .

- لا غرابة في ذلك ، انا ايضا ظننت هذا

- انه صدم عندما ساوره الشك في اني ارتكبت الجريمة ، وتغير شعوره نحوي تماما ..

فارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وقال :

- هذا في حين انك عندما ظننت انه هو القاتل ، كنت على اتم استعداد لتحمل المسؤولية كلها ..

ثم هز رأسه واستطرد قائلا :

- الحق انك امرأة رائعة ، ولكن ماذا حمله على الادلاء بهذا الاعتراف المدمر ، لماذا اعترف بانه

كان هنا ليلة امس .. لا شك ان السبب ليس حبه للحقيقة وحرصه على اعلانها ..

فأجابت لورا :

- السبب هو انجل ، فقد رأى ، او زعم انه رأى جوليان هنا ..

- الواقع اني اشتممت رائحة ابتزاز ، وكنت اشعر بنفور من هذا الرجل المدعو انجل ..

فتمتمت لورا :

- فقد قال انه رأى جوليان ينصرف مسرعا عقب انطلاق الرصاصة .. يا إلهي ، كم انا خائفة ،

انني اشعر بالحلقة تضيق من حولنا ..

وتهالكت على أحد المقاعد ،،

فاقترب منها ، وقال وهو يضع يديه على كتفيها :

- كلا .. لا تخافي سيكون كل شيء على ما يرام ..

فصاحت في يأس :

- ولكن كيف ، كيف؟

فقال وهو يسير نحو باب الشرفة :

- اؤكد لك ان كل شيء سيكون على ما يرام ..

فقالت لورا :

- هل سنعرف يوما ما من قتل ريتشارد ؟

فنظر ستارك الى الحديقة كمن يرى شيئا مسليا ..

ثم قال :

- ان مس بنيت على يقين من انها تعرف ..

فتنهدت لورا وقالت :

- مس بنيت تصيب حينا وتخطئ احيانا ..

فمد ستارك يده نحوها ..

وقال وهو لا يزال يطل على الحديقة :

- تعال .. بسرعة . .

فهرولت اليه .. وامسكت بيده ..



قال وهو يراقب ما يحدث في الحديقة :

- نعم يا لورا ،، هذا ما ظننته .

- ماذا ؟

- - صه ..

ودخلت مس بنيت مسرعة ، وقالت وهي تلهث :

- مستر ستارك .. لورا .. اخرجا بسرعة .. الى الغرفة المجاورة ،، المفتش هناك ..

فهرول ستارك ولورا الى الغرفة المجاورة ...





* * *

بينما نظرت مس بنيت الى الحديقة وقالت :

- تعال ، تعال يا جان وكفى مضايقة ..

فدخل جان من باب الشرفة ببطء . وفي عينيه نظرة تجمع بين التمرد والانتصار ..

وسألته مس بنيت وهي تشير الى المسدس الذي بيده :

- كيف حصلت على هذا ؟

فأجاب وهو يبتسم بدهاء :

- هل ظننت انك كنت بارعة حين اغلقت الدولاب؟ فقد وجدت مفتاحا يفتحه واخذت هذا المسدس

، وسوف استعمله في اطلاق الرصاص كما كان يفعل ريتشارد .

قال ذلك وصوب المسدس نحوها فجأة واردف :

- حذار يا مس بنيت ، فقد اطلقه عليك ..

فأجفلت ..

ولكنها قالت في هدوء :

- لا شك انك لن تفعل هذا يا جان .. أنا واثقة من انك لن تفعل ..

فظل يصوب المسدس نحوها لحظة ..

ثم خفضه ..

وتنهدت المرأة واطمأنت قليلا ..

وقال جان بلطف :

- كلا يا مس بنيت ، لن افعل هذا ..

- هذا لأنك اصبحت رجلا الآن ، ولن تتصرف كالصغار .. اليس كذلك ؟

فأجاب وهو يجلس امام المكتب :

- نعم انا رجل الان ، وبعد موت ريتشارد اصبحت الرجل الوحيد في الاسرة ..

- ولهذا كنت على يقين من انك لن تطلق الرصاص علي ، انك لن تطلقه الا على العدو ..

- طبعا ،،

فقالت وهي تقترب من المكتب بحذر :

- خلال الحرب كان رجال المقاومة اذا قتل واحدا من الاعداء حفر علامة في ماسورة مسدسه ..

فنظر جان الى ماسورة المسدس وقال :

- أحقا؟ هل كانت على مسدساتهم علامات كثيرة ؟

- نعم ، بعضهم كانت على مسدساتهم علامات كثيرة

- يا لها من لعبة مسلية



- وطبعا كان بعضهم ينفر من القتل ، بينما كان البعض الآخر يستطيبه ويتلذذ به ..

- مثل ريتشارد

- نعم ، كان ريتشارد يحب قتل الحيوان والطير ، فهل انت كذلك يا جان ؟

فاخرج جان من جيبه مطواة ، وراح يحفر بها علامة على فوهة المسدس ..

وقال ببساطة :

- ان القتل متعة

فقالت مس بنيت :

- إنك لم تشأ ان يبعث بك ريتشارد الى احد المصحات .. اليس كذلك ؟

فقال جان :

- كان دائما يهدد بابعادي من هنا ، فقد كان وحشا

فقالت مس بنيت وهي تدور حوله ببطء :

- اذكر انك قلت له مرة بانك ستقتله اذا حاول ابعادك

- هل قلت له ذلك حقا !

فقالت مس بنيت :

- ولكنك لم تقتله

- كلا .. انا لم اقتله

- كان ذلك ضعفا منك

فقال جان :

- أحقا ..

- نعم .. لانك هددته بالقتل ولم تنف تهديدك ، اذا حاول انسان ان يسجنني في مصحة فاني لن

اتردد في قتله ..

فرد جان :

- أنا ايضا أفعل ذلك

فقالت في دهاء :

- هذا مجرد كلام ، لانك لم تقتله ، بل قتله شخص اخر

فسأل جان :

- من قال ان شخصا اخر قتله ، ربما اكون انا الذي قتلته ..

فقالت مس بنيت :

- كلا ، لا يمكن أن تكون قد قتلته .. لأنك كنت مراهقا صغيرا ولا تجرؤ على القتل ..

فوثب من مقعده وصاح :

- أتظننين أني لم أكن أجرؤ ؟ اهذا ما تظنينه ؟

- طبعا لم تكن تجرؤ على قتل ريتشارد ، كان لا بد ان تكون كبيرا وشجاعا لكي تفعل ذلك ..

فقال وهو يضحك :

- انك لا تعرفين شيئا يا مس بنيت

- هل هناك شيء لا اعرفه ؟ اتضحك مني يا جان ؟

فقال جان :

- نعم ، أضحك منك لأني أبرع منك

ثم استدار اليها فجأة وقال :

- اني اعرف اشياء لا تعرفينها ..

فأجابت مس بنيت :

- مالذي تعرفه ولا اعرفه؟

فارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة وجلس دون ان يجيب ..

فقالت وهي تقترب منه :



- الا تريد ان تخبرني ؟ الا تثق بي .. ؟

فأجاب في مرارة :

- لا يجب ان يثق الانسان في احد ..

- لقد بدأت الآن اشعر بأنك بارع ، وان هناك أشياء لا اعرفها

- هل بدأت تدركين مدى براعتي؟

فتمتمت مس بنيت :

- نعم ، هل هناك اشياء كثيرة اخرى لا اعرفها عنك ؟

فرد جان بهدوء :

- أشياء كثيرة جدا ، ثم اني اعرف اشياء كثيرة عن كل واحد هنا ، ولكني لا اتكلم ، اني في بعض

الاحيان أستيقظ ليلا واتجول في البيت فأرى واسمع غير اني لا اتكلم ..

- لابد انك تعرف الان كثيرا من الاسرار الخطيرة ..

فضحك وقال :

- أعرف اسرارا سيقف شعر راسك ذعرا اذا حدثتك عنها ..

فردت وهي تتفرس في وجهه :

- ذعرا منك يا جان

فقال جان متمهلا :

- نعم مني أنا ..

- انني لم اكن اعرفك على حقيقتك يا جان ، اما الان فانني بدأت افهمك ..

فقال وقد اثمله الاطراء :

- لا أحد يعرفني على حقيقتي او يعرف ما استطيع عمله .. مسكين ريتشارد ، كان يجلس هنا

كالأبله ويطلق الرصاص على الارانب الحمقاء ..

ثم انثنتى الى مس بنيت قائلا :

- ترى ، هل خطر بباله ان شخصا ما قد يطلق عليه الرصاص هو ايضا ؟

- طبعا لا ، وقد أخطأ اذ لم يفكر في ذلك .

- نعم ، انه اخطأ كثيرا ، وكان اكبر اخطائه انه اراد ان يبعدني غير اني عرفت كيف امنعه ،،

- احقا . ؟ ماذا فعلت كي تمنعه

فنظر اليها بخبث ودهاء . .

ثم هز كتفيه واجاب :

- لن اخبر احدا

- ربما كنت على حق ، اني اعرف ماذا فعلت كي تمنعه ، ولكني لن اقول لاحد ، كي يظل سرك

في حرز امين ..

- نعم انه سري وحدي ..

ثم تألقت عيناه وقال :

- لا أحد يعرفني على حقيقتي .. اني خطير .. ويحسن بالجميع ان يحذروني ...

- ان ريتشارد لم يكن يعرف مدى خطورتك ، ولا شك انه دهش ..

- دهش؟ وايه دهشة ! فقد امتقع وجهه ، ثم سقط رأسه فوق صدره ، وسال الدم على قميصه ولم

يتحرك بعدئذ ، فقد منعته من تهديدي ، فلن يهددني احد بعد الان ..

ثم اقترب من مس بنيت ..

وقال وهو يعرض المسدس امامها :

- انظري ، لقد وضعت علامة على ماسورة المسدس ..

- هذا امر مثير ، دعني أرى ..

ومدت يدها لتتناول المسدس ، ولكنه كان اسرع منها فتراجع خطوة وقال :



كلا ، لن اسمح لاحد بأن يأخذ مسدس ، واذا حاول رجال البوليس ان يقبضوا علي فسأطلق عليهم

الرصاص ..

فردت مس بنيت :

- لا ضرورة لذلك ، لا ضرورة اطلاقا ، فأنت ماهر جدا ، فلن يساورهم شك في امرك ..

فضحك وقال :

- انهم بلهاء ، بلهاء جدا ، بل واكثر بلاهة من ريتشارد ..

وصوب المسدس نحو المقعد المتحرك الذي كان يجلس عليه اخوه ،،

وفي هذه اللحظة ، فتح الباب ودخل المفتش والرقيب ..

وما أن رآهما جان حتى دار على عقبيه .. ووثب نحو الشرفة ، بينما ارتمت مس بنيت على احد

المقاعد واجهشت بالبكاء .

وصاح المفتش بالرقيب :

- اسرع خلفه ، ولا تدعه يفلت منك ..

فانطلق الرقيب في أثر جان ..

ودخل ستارك ولورا ..

وتبعهما انجل ..

ثم ظهرت مس واريك على عتبة الباب بقامتها الطويلة المستقيمة ، ووجها الجامد الذي لا يعبر

عن شيء ..

واقبل المفتش على مس بنيت .. وقال لها بلطف وهو يربت على كتفها :

- خيرا ما فعلت يا مس بنيت .. هدئي اعصابك ورفهي عنك ، ولا تحزني ..

فقالت بصوت متهدج :

- كنت اعلم منذ البداية ، اني اعرف جان كما لا يعرفه احد سواي ، كان ريتشارد يتحداه ويثيره

بلا هوادة، وقد لاحظت في الفترة الأخيرة ان جان اصبح انسانا خطرا ..

فهتفت لورا في حزن وجزع:

- جان .. مستحيل !

- وارتمت على مقعد امام المكتب ..

ونظرت مسز واريك الى مس بنيت مؤنبة ..

وقالت تعاتبها :

- لماذا فعلت هذا يا مس بنيت ؟ لماذ؟ ظننت انك ستكونين مخلصة على الأقل .

فقالت مس بنيت بلهجة التحدي :

- هناك ظروف تكون فيها الحقيقة أهم من الإخلاص ، إنك لم تلاحظي ولا احد لاحظ أنه يزداد

خطورة يوما بعد يوم ، إنه شاب لطيف ولكن ..

وغلبها الحزن ..

فلم تكمل عبارتها ..

وتقدمت مسز واريك ببطء وحزن وجلست على أحد المقاعد ..

فقال المفتش :

- ان أمثاله يصبحون خطرا على أنفسهم وعلى سواهم عندما يصلون الى سن معينة، انهم يفقدون

الإدراك والتمييز والسيطرة على أنفسهم ، وعلى تصرفاتهم ..

ثم التفت الى مسز واريك وقال :

- لا تبتئسي يا سيدتي .. فإنني أعدك بأنه سوف يعامل برفق وعطف .. ان موقفه واضح ، شاب

متخلف عقليا وغير مسؤل عما يفعل ..

وهذا معناه انه سوف يحجز في مكان تتوفر فيه أسباب الراحة ووسائل العلاج ، وهو ما كنتم

ستفعلونه به على أي حال ان عاجلا او آجلا ..

فقالت مسز واريك :



- نعم .. نعم .. انك على حق ..

ثم التفتت الى مس بنيت وقالت :

- أنا آسفة يا مس بنيت .. انك قلت ان لا أحد كان يعرف انه اصبح خطرا . أنا كنت أعرف ،

ولكن لم يكن في استطاعتي ان افعل شيئا ..

فقالت مس بنيت :

- كان لابد ان يفعل احد شيئا...

وهنا سمعوا صوت طلق ناري فوجموا ، وجمدوا في أماكنهم لحظة ..

ونظر بعضهم الى بعض ..

ثم اندفع الرجال نحو الشرفة ..

ولكنهم ما كادو يبلغونها حتى سمعوا صوت طلق اخر ..

وصرخة مخيفة ...

كصرخة وحش جريح ..

جعلت الدم يجمد في عروقهم ....!

قبل ان يتبين المفتش والحاضرون مصدر الطلقين والصرخة ، برز الرقيب من بين اشجار

الحديقة وهو يترنح ..

كان ممسكا بيده اليسرى ، والدم ينزف منها بغزارة ..

فصاح به المفتش :

- ماذا حدث؟

ولم يجب الرقيب على الفور ، ورأى المفتش من تقلص وجهه انه يتألم ، فخف اليه ، وأحاطه

بساعده ، وعاونه على ارتقاء درج السلم المؤدي الى الشرفة ..

ثم اجلسه على أحد المقاعد وقال لانجل :

- علي بضمادة اعصب بها جرحه ..

فغادر الخادم الغرفة مسرعا ..

بينما قال ستارك :

- هل أدعو سيارة الإسعاف؟

فقال الرقيب وهو لا يزال يتألم :

- كلا .. لا ضرورة لذلك ، انه جرح بسيط !

فسأله المفتش :

- ماذا حدث؟

وتعلقت الأنظار بشفتي الرقيب..

فقال هذا :

- اني عدوت خلفه ، وكان الضباب قد بدأ ينتشر ، فراح يحاورني بين اشجار الحديقة ، ثم اطلق

علي رصاصة اصابت يدي ، ولكني واصلت مطاردته وانقضضت عليه لانتزع المسدس من يده

فانطلقت من المسدس رصاصة اصابت قلبه وقتلته ..

فوضعت لورا يدها على فمها لتمنع صرخة كادت ان تفلت منها ، ثم سارت مترنحة حتى تهالكت

على مقعد امام المكتب ...

أما مس بنيت ، فانها اجهشت بالبكاء بصوت مسموع ..

وعاد انجل بالضمادة..

فتناولها المفتش وقال وهو يعصب يد الرقيب :

- هل أنت واثق من انه مات ؟

- نعم يا سيدي ..

ثم هز رأسه في أسى وقال :

- مسكين هذا الصبي ، كان يحاورني بين أشجار الحديقة ويضحك كما لو كان الأمر كله مجرد

مزحة .

- وأين هو ؟

- تعال أدلك على مكانه ..

- كلا ، خير لك ان تبقى هنا

- اني احسن حالا الان ..

ونهض واقفا ، ومشى الى الشرفة ..

ونظر المفتش الى من حوله وقال :

- اني جد آسف على ما حدث ، ولكن لعل ذلك هو أفضل الحلول !

وغادر المكان في أثر الرقيب ..

وهزت مسز واريك رأسها في حزن .. تمتمت قائلة :

- أفضل الحلول ..!

فصاحت مس بنيت :

- نعم .. نعم .. ذلك أفضل الحلول ، انه جنب الصبي كثيرا من المتاعب ..

ثم اسرعت الى مسز واريك ، وقالت وهي تأبط ذراعها لتساعدها على السير :

- هلمي ايتها العزيزة ، كفا ما عانيت اليوم .

وقبل ان تغادر مسز واريك الغرفة ، لحق بها ستارك وقال وهو يخرج المظروف من جيبه :

- أظن أنه يحسن بك الآن أن تستردي هذا ..

- نعم ، نعم ... لم تبق له ضرورة الآن ..

وانصرفت مسز ورايك ومس بنيت ، ولم يبق بالغرفة سوى ستارك وانجل ، ولورا .. التي دفنت

وجهها بين كفيها ، وقد برح بها الحزن والأسى ..

ووقف انجل مترددا لحظة ، ثم اقترب من المكتب حيث كانت تجلس لورا وقال :

- لا أعرف كيف اعبر لك عن اسفي وحزني سيدتي ، فاذا كان هناك ما استطيع عمله ..

فقاطعته بأن قالت دون ان ترفع رأسها :

- نحن لم نعد بحاجة الى خدماتك يا أنجل ، سأعد لك شيكا بمستحقاتك وعليك ان تغادر هذا البيت

اليوم ..

- شكرا يا سيدتي ..

ودار على عقبيه ، وغادر الغرفة ..

فأغلق ستارك الباب وراءه وقال يحدث لورا :

- ألا تريدين اتهامه بالابتزاز؟

- كلا

- هذا أمر يؤسف له

ثم أردف بعد قليل :

- أظن انه يحسن بي الان ان اودعك وارحل ..

فملم ترفع لورا رأسها ، ولم تتكلم .

قال :

- لا يجب ان تحزني ..

فأجابت بشعور صادق :

- اني حزينة

- من أجل ذلك الصبي ؟

فنظرت اليه وقالت :



- نعم ، ولاني كنت السبب ، فقد كان ريتشارد على حق ، وكان يجب ارسال جان الى احدى

المصحات حيث لا يستطيع ان يؤذي احدا ، ولكني عارضت في ذلك بقوة ، ولهذا كنت السبب في

مقتل زوجي ..

فقال ستارك بشيء من الخشونة :

- دعي هذه الحساسيات يا لورا ، ولنكن واقعيين ، فقد لقي زوجك حتفه بطبعه وحفر قبره بنفسه

.. كان بوسعه ان يعامل الصبي بشيء من الرفق والحنان ، اليس كذلك ؟ لا ينبغي ان تنحي

باللائمة على نفسك ، ان من حقك الآن أن تكوني سعيدة ، وأن تنعمي بالراحة والاستقرار ..

فأجابت بمرارة :

- مع من؟ مع جوليان؟ أنت ترى انه قد تغير كثيرا ولم يعد كالعهد به ..

- لماذا ؟

- عندما ظننت ان جوليان هو الذي قتل زوجي ، لم يؤثر ذلك على شعوري نحوه ، ولم يضعف

حبي له ، بل على العكس ، كنت على استعداد للاعتراف بالجريمة ومواجهة التبعات ..

- أعلم هذا ، وتلك هي الحماقة بكل معانيها ، يا إلهي ، لماذا يطيب للنساء دائما ان يجعلن من

أنفسهن شهيدات ؟

فاستطرت لورا قائلة بحنق :

- اما عندما ظن جوليان انني التي ارتكبت الجريمة تغير تمام ، وتبدل شعوره نحوي ، صحيح انه

ابدى شهامة حين التزم الصمت ولم يدل بأقوال تزيد من موقفي سوءا ، ولكن هذا كل ما فعله ،

نعم ، نعم ، نعم ، انه تغير كثيرا ..

- اصغي إلي يا لورا ، يجب أن تعلمي ان رد الفعل عند الرجال يختلف عنه عند النساء ، والواقع

ان الرجال هم الجنس الاكثر حساسية ، اما النساء فانهن اكثر شراسة واصلب معدنا ، والمرأة

تستطيع ان ترتكب جريمة قتل بمثل البساطة التي تصبغ بها شفتيها .. والنتيجة هي ان المرأة قد

تنظر بإكبار الى الرجل الذي يرتكب جريمة قتل من اجلها ، اما الرجل فان شعوره وردة الفعل

عنده يختلفان تماما ..

- ولكن شعورك أنت لم يكن كذلك ، عندما ظننت أني قتلت زوجي تقدمت لمساعدتي دون تردد .

.

فأجفل وصمت لحظة .. ثم قال :

- ان موقفي يختلف ، كان لزما علي مساعدتك ..

- ولماذا كان هذا الالتزام بمساعدتي؟

فأجاب بهدوء :

- اني ما زلت اريد مساعدتك ..

فقالت لورا وهي تتفرس في وجهه :

- الا ترى أننا عدنا من حيث بدأنا ؟ وأني ما زلت المسؤولة عن مصرع ريتشارد .. لانني

عارضت في ارسال جان الى احدى المصحات ؟.

فجلس ستارك من طرف الاريكة وقال :

- هل هذا هو كل ما يزعجك ؟ أيزعجك ان يكون جان هو الذي اطلق الرصاص على زوجك ؟

،... الا يحتمل ان تكون الحقيقة غير ذلك ؟.

فتمتمت لورا :

- كيف تقول كلاما كهذا ؟ اني سمعته ، بل كلنا سمعناه حين اعترف بالجريمة وتفاخر بها ..

فقال مايكل بهدوء :

- أعلم هذا ، ولكن هل تعرفين شيئا عن قوة الإيحاء؟ فقد استدرجته مس بنيت بلباقة ، وعرفت ككيف

تثير حقده تارة ، وتغذي خيلاءه مرة اخرى ، وكان الصبي تربة صالحة للإيحاء ، فراقته كما

تروق أغلب المراهقين فكرة أن يكون قاتلا ...



فقد لوحت له مس بنيت بالطعم فابتلعه ، وتصور انه قتل زوجك ، فوضع علامة على ماسورة

مسدسه ، كما كان يفعل رجال المقاومة وتصور نفسه بطلا ..

ونهض واقفا ، وأخذ يذرع أرض الغرفة..

ثم قال :

- إنك لا تعلمين ولا احد يعلم هل قال الحقيقة ام لا

- ولكنه اطلق الرصاص على الرقيب ..

فقال ستارك :

- نعم .. انه انسان خطر ما في ذلك شك ، ويحتمل جديا يكون هو الذي اطلق الرصاص على

زوجك ، غير انك لا تستطيعين ان تؤكدي بصفة قاطعة انه فعل هذا ، يحتمل ان يكون من اطلق

الرصاص شخصا آخر ..

- من؟

فأجاب بعد صمت قصير :

- مس بنيت مثلا .. إنها تحبك ، إنها تحبك فربما ظنت انك ستكونين سعيدة اذا تخلصت من

زوجك . او مسز واريك نفسها ، او صديقك جوليان .. ريما كان جوليان قد اطلق الرصاص على

ريشارد ، ثم زعم بعد ذلك انه ظن انك القاتلة ، وهي لعبة بارعة خدعتك تماما ..

- لا شك انك غير مؤمن بما تقول. أنت تقول هذا فقط لترفه عني وتخلصني من وخز الضمير ..

فصاح ستارك في ضيق :

- يا فتاتي العزيزة ، أي شخص يمكن ان يكون هو الذي أطلق الرصاص على زوجك ، ولا

أستثني ماكجريجور نفسه ..

فبهتت وصاحت :

- ماكجريجور؟ ولكن ماكجريرجور مات .

- طبعا .. المفروض أنه مات ، أصغي إلي ، في مقدوري ان اطرح القضية امامك بطريقة لا تدع

مجالا للشك في أن ماكجريجور هو القاتل ..

هي انه قرر قتل زوجك على سبيل الانتقام ، فماذا يفعل؟ أول شيء يفعله هو ان يتخلص من

شخصيته ، فليس من العسير عليه ان يزيف حادث وفاة في مكان قصي من بلد بعيد مثل الاسكا ،

هذا يكلفه بعض المال ، وشهادة زور ولكنه ممكن ..

ثم ينتحل اسما جديدا ويبني لنفسه شخصية جديدة ، ويزاول مهنة جديدة في بلد آخر .

غير انه يظل بطريقة او باخرى على اتصال بما يجري هنا ، حتى اذا علم أنكم غادرتم (

نورفولك ) ، وجئتم إلى هذا البيت ، شرع في وضع خطته ..

ثم يزيل لحيته ويصبغ شعره ويفعل كل ما من شأنه ان يغير ملامح وجهه ، وفي ليلة كثيفة

الضباب ، يأتي الى هنا ..

وصمت ستارك قليلا .. ثم نهض ووقف أمام الشرفة وقال وهو يطل على الحديقة :

- لنفرض إذاً انه جاء الى هنا ، ووجد زوجك في مقعده ولم يشأ أن يقتله غدرا فقال له : ان معي

مسدسي ، ومعك مسدسك ، سأعد من واحد الى ثلاثة ثم يطلق كل منا مسدسه على الآخر ، إني

جئت لأنتقم لولدي كما تعلم ..

ومضى في حديثه ، فقال :

- لنفرض أيضا أن زوجك ليس شخصا رياضيا بكل معنى الكلمة كما تتوهمين ، وانه ينتظر

غريمه حتى يفرغ من العد ..

وأذكر انك قلت عن زوجك انه كان بارعا في اصابة الهدف ..

فلنفترض أنه أخطأ الهدف هذه المرة، وطاشت رصاصته في الحديقة ..

حيث يوجد كثير من الرصاصات التي سبق ان اطلقها ..

بينما لم يخطئ ماكجريجور وأصابت رصاصته الهدف ، وقتلت زوجك ..





ولنتصور بعد ذلك ان ماكجريجور وضع مسدسه بقرب الجثة ، واخذ مسدس زوجك ، وغادر

البيت عن طريق الحديقة ، ثم عاد بعد قليل .

- عاد؟ لماذا ؟

- لنفرض أن سيارته وقعت في حفرة ، فلم تستطع الابتعاد ، فماذا يفعل؟ انه يفعل الشيء الطبيعي

الوحيد ، وهو ان يدخل البيت ويكتشف وجود الجثة ..

فقالت في دهشة :

- إنك تتكلم كما لو كنت تعرف ما حدث تماما ..

فقال ستارك بحدة :

- أنا أعرف ما حدث .. ألم تفهمي .. أنا ما كجريجور .!

ولم تصدق لورا أذنيها ..

ونهضت من مقعدها وهي تغمغم :

- أنت ..

وحملقت نحوه بعينين مفعمتين بالدهشة والذهول ..

فقال بصوت اجش :

- وداعا يا لورا ..

وخرج الى الشرفة ..

واختفى بين أشجار الحديقة ..

وعندما افاقت من دهشتها ..

أسرعت تعدو خلفه وتصيح :

- صبرا يا مايكل .. صبرا ..

ووقفت في الشرفة تهتف :

- مايكل .. عد يا مايكل ..

ولكن صوتها ضاع في زئير النفير ، الذي دوى في تلك اللحظة ليحذر الصيادين من كثافة

الضباب ...







النهاية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق